مرتضى الزبيدي

236

تاج العروس

والتَّكَفِّي في الأَصل مهموزٌ ، فتُرِكَ همزُه ، ولذلك جُعِل المصدر تَكَفِّياً . وفي حديث القيامة " وتَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً واحِدة يَكْفَؤُها الجَبَّارُ بيَدِه كما يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَه في السَّفَرِ " وفي رواية يَتَكَفَّؤُها يريد الخُبْزَةَ التي يصنَعها المُسافرُ ، ويضعُها في المَلَّةِ ، فإنَّها لا تُبْسَط كالرُّقاقَةِ وإنها ( 1 ) تُقلبُ على الأَيْدي حتَّى تستوي . وفي حديث الصِّراط " آخِرُ من يَمُرُّ رَجُلٌ يَتَكَفَّأُ به الصِّراطُ " أَي يَتَمَيَّلُ ( 2 ) ويَنْقَلِبُ . وفي حديث دعاء ( 3 ) الطعام غير مُكْفَإٍ ( 4 ) ولا مُوَدَّع ، وفي رواية غير مَكْفِيٍّ ، أَي غير مَردود ولا مقلوب ، والضميرُ راجعٌ للطعام ، وقيل من الكِفاية ، فيكون من المعتلِّ ، والضمير لله سبحانه وتعالى ، ويجوز رجوع الضمير للحمد ( 5 ) . وفي حديثٍ آخر : كانَ لا يقبَل الثَّنَاءَ إِلاَّ من مُكافِئٍ أَي من رجل يعرف حقيقةَ إسلامه ولا يدخل عنده في جُملةِ المُنافقين الذين يقولون بأَلسنتهم ما ليس في قلوبهم ، قاله ابنُ الأَنباري ، وقيل : أَي من مُقارِب ( 6 ) غير مُجاوِزٍ ( 7 ) حدَّ مثلِه ، ولا مُقَصِّرٍ عمَّا رفعَه ( 8 ) الله تعالى إليه ، قاله الأَزهري ، وهناك قول ثالث للقُتَيْبِيِّ لم يرتضه ابنُ الأَنباري ، فلم أَذكُرْه ، انظره في لسان العرب . [ كلأ ] : كَلأَهُ كمَنَعَه يَكْلَؤُهُ كَلأً بفتح فسكون وكِلاَءةً بالقصر ( 9 ) وكِلاَءً بكسرهما مع المدِّ في الأخير ، أَي حَرَسَه وحَفِظَه ، قال جميلٌ : فَكُونِي بخَيْرٍ في كِلاَءٍ وغِبْطَةٍ * وإِنْ كُنْتِ قدْ أَزْمَعْتِ صُرْمِي وبِغْضَتِي قال أَبو الحسن : كِلاَءٌ هنا يجوز أَن يكون مصدراً كَكِلاَءةٍ ، ويجوز أَن يكون جمع كِلاَءةٍ ، ويجوز أَن يكون أَراد : في كِلاَءةٍ ، فحذف الهاء للضرورة ، ويقال : اذْهَبوا في كِلاَءةِ الله ، وقال الليث : يقال : كَلأَكَ اللهُ كِلاَءةً ، أَي حفِظَكَ وحَرَسَك ، والمفعول منه مَكْلوءٌ ، وأَنشد : إِنْ سُلَيْمى واللهُ يَكْلَؤُها * ضَنَّتْ بِزَادٍ ما كانَ يَرْزَؤُها وفي الحديث أَنَّه قال لبِلالٍ وهم مسافرون " اكْلأْ لنا وَقْتَنا " . هو من الحِفظ والحِراسة ، وقد تُخفَّف همزة الكِلاَءةِ وتُقلب ياءً ، انتهى . وقال الله عزَّ وجلَّ " قلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ باللَّيْلِ والنَّهارِ " ( 10 ) قال الفَرَّاء : هي مهموزة ، ولو تَركْتَ همزَ مِثله في غير القرآن قلت : يَكْلُوكُم ، بواوٍ ساكنة ، ويَكْلاكُمْ ، ويَكْلاَكُم ، بألف ساكنة ، [ مثل يحشاكم ] ( 11 ) ، ومن جعلها واواً ساكنةً قال كَلاَتُ ، بألفٍ بترك النَّبْرَةِ منها ، ومن قال يَكْلاكُمْ قال كَلَيْتُ مثل قَضَيْتُ ، وهي من لغة قريشٍ ، وكُلٌّ حَسَنٌ ، إِلاَّ أنَّهم يقولون في الوَجْهَيْنِ : [ مكلوة و ] ( 12 ) مَكْلُوٌّ وهو أَكثر ما يقولون : مَكْلِيٌّ ، ولو قيل مَكْلِيٌّ في الذينَ يقولونَ كَلَيْت كانَ صواباً . قال : وسمعت بعضَ الأَعراب يُنْشد : وما خاصَمَ الأَقْوامُ مِنْ ذي خُصُومَةٍ * كَوَرْهاءَ مَشْنِيٌّ إِليها خَليلُها فبَنَى على شَنَيْتُ ، بترك الهمزة ( 13 ) . ويقال : كَلأَه بالسَّوْطِ كَلأً ، وعن الأَصمَعِيّ : كَلأَ الرجلَ كَلأً وسَلأَهُ سَلأً بالسوط : ضَرَبَهُ قاله النضرُ بنُ شُمَيْلٍ وكَلأَ الدَّيْنُ كُلُوءاً ( 14 ) إِذا تأَخَّرَ فهو كالِئٌ وكَلأَت الأَرْضُ وكَلِئَتْ : كَثُرَ كَلَؤُها أَي عُشْبُها كَأَكْلأَتْ إِكْلاءً ، وفي نسخة : كاكتلأَت .

--> ( 1 ) في النهاية : وإنما . ( 2 ) عن النهاية ، وبالأصل " يميل " . ( 3 ) عن اللسان . ( 4 ) عن النهاية ، وبالأصل " مكفؤ " . ( 5 ) فعلى القول الأول يعني أن الله هو المطعم والكافي ، وهو غير مطعم ولا مكفي فيكون الضمير راجعا إلى الله . وعلى القول الثاني يجوز أن يكون الكلام راجعا إلى الحمد ، كأنه قال : حمدا كثيرا مباركا فيه ، غير مكفي ولا مودع ، ولا مستغنى عنه ، أي عن الحمد . ( 6 ) زيد في غريب الهروي : مقارب في مدحه . ( 7 ) الهروي : غير مجاوز به . ( 8 ) الهروي : وفقه . ( 9 ) كذا بالأصل ، ولعله سهو . ( 10 ) سورة الأنبياء الآية 42 . ( 11 ) عن اللسان . ( 12 ) عن اللسان . ( 13 ) اللسان : النبرة . ( 14 ) اللسان : كلئا .